اسماعيل بن محمد القونوي
305
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
جعل شيئا مفعول لا تنقصوا وتخصيص الدراهم والدنانير والبخس بالقطع من أطرافها تخصيص بلا داع فإنه يدخل تحت العموم . قوله : ( بالقتل والغارة وقطع الطريق ) قد حمل الإفساد هنا على الأمور الثلاثة وجعل في سورة هود تعميما بعد تخصيص فإن العثو « 1 » يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد وكلا الأمرين جائزان لكن ما وقع هناك أوقع لإفادة التوكيد والتقرير والعثو الفساد أو أشده و مُفْسِدِينَ حال مؤكدة وفائدتها إخراج ما يقصد به الصلاح كما مر بيانه ولو كان معناه مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم فالأمر واضح . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 184 ] وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ ( 184 ) قوله : ( وذوي الجبلة « 2 » الأولين يعني من تقدمهم من الخلائق ) قيل الجبلة الخلق المتجمدة الغليظة مأخوذ من الجبل فحينئذ يناسب التعبير بها عن خلقة عاد وثمود والظاهر أنه مطلق الخلق ذكر الجبلة بمعنى الخلق وأريد به المخلوق بقرينة تعلق الخلق به وإنما ذكر خلق من تقدمهم لمزيد الترغيب على التقوى . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 185 إلى 186 ] قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 186 ) قوله : ( قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [ الشعراء : 153 ] ) قد مر تفسيره . قوله : ( آتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين منافيين للرسالة مبالغة في قوله : بالقتل والغارة وقطع الطريق أي لا تعتدوا حال افسادكم بهذه الأشياء القتل والغارة وقطع الطريق يقال عثى في الأرض يعثو أي أفسده وكذلك عثي بالكسر وإنما قيده بمفسدين وهو هو في المعنى لأنه قد يكون منه ما ليس بفساد وإن كان في صورة الفساد ظاهرا كمقابلة الظالم المعتدي بفعله ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة . قوله : وذوي الجبلة يعني أن المضاف محذوف من الجبلة فإن الجبلة عطف على ضمير المفعول في جعلكم والمعنى خلقكم وخلق ذوي الجبلة الأولين أي ذوي الخلق الأولين . قوله : آتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين يريد بيان وجه لترك الواو في قصة ثمود حيث قالوا هناك إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا ومجيء الواو في قصة قوم شعيب حيث قالوا هنا وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ الشعراء : 154 ] فالوجه في العطف على ما قال رحمه اللّه الدلالة على أن كل واحد من الوصفين وهما وصف المسحورية ووصف البشرية مستقل في كونه مانعا للرسالة من اللّه منافيا لها مبالغة في تكذيب الرسول في دعواه فالقصد في العطف
--> ( 1 ) فإن العثو إشارة إلى أن لا تعثوا واوي كما اختاره المص واختار الزمخشري أنه يأتي قد مر التوضيح في سورة هود . ( 2 ) قيل الجبلة الطبيعة لكن المناسب الخلقة .